أحمد مطلوب
406
معجم المصطلحات البلاغية وتطورها
كانت دراستهم لها قاصرة ، أما الذين عنوا بأسلوب القرآن الكريم فقد تجاوزوا ذلك ونظروا إلى التقديم والتأخير نظرة أوسع وأكثر عمقا فجاءت مادتهم أغزر وبحوثهم أخصب ، ولا يكاد يستثنى من ذلك إلا عبد القاهر الذي أبدع في تحليل الأساليب البلاغية ونقل النحو من أحوال الإعراب والبناء إلى المعاني التي تزخر بها العبارات ، وكانت نظريته في النظم من أحسن ما عرف النقد القديم والبلاغة العربية . التّقسيم : قسّم : جزّأ ، والتقسيم هو التجزئة والتفريق « 1 » . سمّاه الحلبي والنويري « التقسيم المفرد » « 2 » ، والتقسيم من الأساليب العريقة في اللغة العربية ، فقد سمع عمر بن الخطّاب - رضي اللّه عنه - قول زهير وكان لشعره مقدما : وإنّ الحقّ مقطعه ثلاث * يمين أو نفار أو جلاء فقال كالمعجب : « من علّمه بالحقوق وتفصيله بينها واقامته أقسامها ؟ » « 3 » . وذكر الجاحظ إعجاب عمر - رضي اللّه عنه - بقول عبدة بن الطبيب أيضا : والمرء ساع لأمر ليس يدركه * والعيش شحّ وإشفاق وتأميل وقال : وكان عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - يردد هذا النصف الآخر ويعجب من جودة التقسيم » « 4 » . وكان ذلك أساس فن التقسيم في البلاغة العربية ، وقد قال القاضي الجرجاني عن قول زهير : يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطّعنوا * ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا « فقسّم البيت على أحوال الحرب ومراتب اللقاء ، ثم ألحق بكل قسم ما يليه في المعنى الذي قصده من تفضيل الممدوح فصار موصولا به مقرونا اليه » « 5 » . وتحدث قدامة عن تمام الأقسام فقال : « هو أن يؤتى بالأقسام مستوفاة لم يخلّ بشيء منها ومخلصة لم يدخل بعضها في بعض » « 6 » . كقول بعضهم : « فإنك لم تخل فيما بدأتني من مجد أثّلته ، وشكر تعجلته ، وأجر ادخرته » . وتحدث عن صحة التقسيم وقال : « وصحة التقسيم أن توضع معان يحتاج إلى تبيين أحوالها فإذا شرحت أتي بتلك المعاني من غير عدول عنها ولا زيادة عليها ولا نقصان منها » « 7 » . كقول بعضهم : « انا واثق بمسالستك في حال بمثل ما أعلم من مشارستك في أخرى : لأنك إذا عطفت وجدت لدنا ، وإذا غمزت ألفيت شثنا » . وهذا غير التقسيم المعروف وإنما هو نوع من اللف والنشر . وقال العسكريّ : « التقسيم الصحيح أن تقسم الكلام على جميع أنواعه ولا يخرج منها جنس من أجناسه » « 8 » . وقال الخفاجي : « أن تكون الأقسام المذكورة لم يخلّ بشيء منها ولا تكرّرت ولا دخل بعضها تحت بعض » « 9 » . وقال ابن رشيق : إنّ بعضهم يرى أنّ التقسيم « استقصاء الشاعر جميع أقسام ما ابتدأ به » « 10 » ، وعدّ من التقسيم التقطيع ، ومن التقطيع الترصيع . وعدّ عبد القاهر التقسيم من النظم الجيد ولا سيما إذا تلاه جمع كقول حسان ابن ثابت :
--> ( 1 ) اللسان ( قسم ) . ( 2 ) حسن التوسل ص 281 ، نهاية الإرب ج 7 ص 153 . ( 3 ) البيان ج 1 ص 240 . ( 4 ) الحيوان ج 3 ص 46 . ( 5 ) الوساطة ص 47 . ( 6 ) جواهر الالفاظ ص 5 . ( 7 ) جواهر الالفاظ ص 6 . ( 8 ) كتاب الصناعتين ص 341 . ( 9 ) سر الفصاحة ص 277 . ( 10 ) العمدة ج 2 ص 20 .